السيد حسن القبانچي
82
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وهو مؤتمر بأوامر الإرادة المنقذة للضمير ، فإن الضمير يوحي إلى اللسان ما يشاء والإرادة تحركه ، فينطق بمكنونات الضمير ، وما يتخلق به المرء من صفات إيجابية تعلي من شأن صاحبها وترفع من مكانته ، أو من أخلاق سلبية تؤدي بذويها إلى الردى ، وتنحدر بهم في مهاوي الدرك الأسفل . وهو من النعم الجليلة التي حبانا اللّه سبحانه بها ، لذلك يجب علينا أن نعطيه حقه بأن نصونه من مبتذل القول وبذيء الكلم ، وأن نجنبه الآفات التي تعود على الإنسان بالضرر والخسارة . وأن نعوده على الخير مثل إصلاح ذات البين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونشر العلوم النافعة وغير ذلك . ومن حقه كذلك أن يعفى عن الكذب ، وفضول القول الذي لا يرجع على صاحبه بالخير ، وربما عاد عليه بالضرر . وهو أيضا نقمة أي نقمة إن هو ترك ولم يمسك عليه . وهو عجيب من عجائب خلق اللّه ، ولطائف صنعه الغريبة ، فإنه صغير جرمه كبير ضرره ، فترى الكفر والإيمان والبغض والمحبة ، والشر والخير ، والسفاهة واللطافة ، لا يستبين شيء منها ولا يعرف حق المعرفة إلا باللسان ، ثم لا يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الصمت ، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدين والدنيا . إن خطر اللسان عظيم ، ولا نجاة من خطره إلا بالصمت ، فلذلك مدح الشرع الصمت وحث عليه ، قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من صمت نجا » وقال : « الصمت حكم وقليل فاعله » ثم في الصمت راحة الجسم والحواس ، والأمان من اللوم والإثم ، والاستغناء عن المعذرة من الهفوات ، وملك عنان النفس التي كثيرا ما تقذف بقوس اللسان ، تلك القارصات الجارحات كأنها تقذف أسهما لا تندمل جروحها ، بخلاف الأسهم التي تصيب الهدف فتميته ، وكثيرا ما تحيل الصديق عدوا والخير شرا . وقد قيل في هذا المعنى : جراحات السنان لها التئام * ولا يلتام ما جرح اللسان هذه إحدى فوائد الصمت وحبس اللسان عن النطق إلا فيما يعود بالنفع كما تقدم . ومن فوائده أيضا : راحة الفكر وإمكان توسيع دائرته وإقامة الدلالة والبرهان على